سميح دغيم

34

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

يظهر في قلوبنا حالة تقتضي ترجيح ذلك الفعل على ذلك الترك أو بالعكس ، والعلم بحصول تلك الحالة المقتضية للترجيح علم ضروريّ . ثم اختلف العقلاء في أنّ تلك الحالة المقتضية للترجيح ما هي ، فقال قوم من محقّقي المعتزلة إنّما هي الداعية ، وتحقيق الكلام في الداعي أنّ الإنسان قادر على الفعل وعلى الترك ، فنسبة قدرته إلى طرفي الفعل والترك على السويّة ، وما دامت القدرة باقية على هذا الاستواء يمتنع حصول الرجحان ، لأنّ الاستواء والرجحان متنافيان ، فإذا حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظنّ باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد حصل الرجحان بسبب ذلك ، وصار المجموع الحاصل من تلك القدرة ومن ذلك العلم أو الظن أو الاعتقاد مؤثّرا في وقوع ذلك الفعل ، وأمّا في حق الباري سبحانه فالاعتقاد والظنّ ممتنعان ، فلم يبق الداعي في حق اللّه تعالى إلّا العلم باشتمال ذلك الفعل على مصلحة راجحة ، فهذا هو الكلام في حقيقة الداعية . ثم قالوا تلك الحالة المقتضية للترجيح التي نجدها من قلوبنا ليست إلّا هذه الداعية ، ومن الناس من قال الميل والإرادة حالة زائدة على هذه الداعية . ( أر ، 145 ، 17 ) - مذهبنا ( الرازي ) إن كونه تعالى مريدا صفة زائدة على كونه تعالى عالما وفاعلا ، وهذا مذهب جمهور البصريين من المعتزلة . لنا إنّا وجدنا بعض أفعال اللّه تعالى متقدّمة وبعضها متأخّرة ، مع أنّ ما تقدّم كان يجوز في العقل أن يتأخّر وما تأخّر كان يجوز في العقل أن يتقدّم ، وإذا كان كذلك افتقر ذلك التقدّم والتأخّر إلى مرجّح ومخصّص لامتناع حصول الرجحان لا عن مرجّح ، ثم نقول ذلك المرجّح إمّا القدرة أو العلم أو صفة أخرى ، لا جائز أن يكون هو القدرة لأنّ خاصيّة القدرة الإيجاد وذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات على السويّة ، ولا جائز أن يكون هو العلم لأن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، فلو كان هو تبعا لذلك العلم لزم الدور ، فثبت أنّه لا بدّ من شيء آخر يكون مخصّصا ومرجّحا سوى القدرة والعلم ، وظاهر إنّ الحياة والكلام والسمع والبصر لا تصلح لذلك . ولا بدّ من إثبات صفة وراء هذه الصفات خاصيّتها الترجيح والتخصيص وتلك الصفة هي المسمّاة بالإرادة . ( أر ، 147 ، 18 ) - إنّ المفهوم من التخصيص غير المفهوم من التكوين ، فإذا اختلف المفهومان وتغاير الاعتباران ، سمّينا مفهوم مبدأ التخصيص بالإرادة ، وسمّينا مفهوم مبدأ الإيجاد بالقدرة . ( أر ، 149 ، 23 ) - إنّ الإرادة توافق العلم ، فكل ما علم وقوعه فهو مراد الوقوع ، وكل ما علم عدمه فهو مراد العدم ، فعلى هذا إيمان أبي جهل مأمور به وهو غير مراد ، وكفره منهيّ عنه وهو مراد . ( أر ، 244 ، 14 ) - قد يوجد الأمر بدون الإرادة ، وقد توجد الإرادة بدون الأمر . أمّا أنّه قد يوجد الأمر بدون الإرادة ، ففي صور : إحداها : أنّ السلطان إذا أمر « زيدا » أن يأمر عمرا بشيء ، فقد يكون زيد كارها لصدور ذلك الفعل من « عمرو » إلّا أنّه يأمر لأجل أنّ السلطان أمره بذلك . فههنا الأمر حاصل ، والإرادة غير حاصلة . ثانيها : ما ذكره أصحابنا - رحمهم